الخميس، 15 مارس، 2012

شعب أكيد ورؤساء محتملون .... بقلم : فهمى هويدى

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified


لا أجد غرابة فى أن يتزاحم المرشحون لمنصب رئيس الجمهورية فى مصر أمام مقر سحب أوراق الترشيح. ولا أجد غضاضة فى أن يصل عدد أولئك المرشحين المحتملين إلى مائتين أو أكثر. بالتالى فلا أجد مبررا لتحويل هذه التظاهرة إلى مادة للتندر أو السخرية. وأزعم أن العكس هو الصحيح، إذ هى أولى بأن تؤخذ على محمل الجد، وأن تصنف باعتبارها ظاهرة صحية ضمن إيجابيات ثورة 25 يناير. ذلك أنها تعد إعلانا قويا عن أن مصر دخلت عهدا جديدا مختلفا تماما عن سابقه، فلم يعد الرئيس واحدا فقط مقررا على الشعب إلى أجل لا يعلمه إلا الله، وإنما أصبح بمقدور أى واحد من الشعب أن يخوض الغمار ليصبح رئيسا، وبذلك فإننا تجاوزنا العهد الذى نسينا فيه أن الشعب هو الذى يختار الرئيس وكدنا نظن أن الرئيس هو الذى يختار الشعب وانتقلنا إلى طور جديد أصبح الشعب يفاضل فيه بين طابور من الرؤساء المرشحين، ويقلِّب فى كل واحد لكى يتميز الأصلح والأفضل. وبعدما كان الرئيس هو الشخص الأكيد والزعيم الأوحد، بينما أفراد الشعب جميعا يعدون مواطنين محتملين، انقلبت الآية وصار المرشحون هم الرؤساء المحتملون، وصار المصرى البسيط والعادى مواطنا أكيدا. بل سقطت تلقائيا عبارة السيد الرئيس ملأ الأفق حضور الشعب السيد.

لم تعد رئاسة مصر قدر أشخاص بذواتهم، لا يملك الناس له نقضا ولا ردا. وإنما صارت اختيارا يقرره الناس.. وما كان لذلك أن يحدث لولا أننا تجاوزنا طور الرئيس الإله ــ الصنم ان شئت الدقة ــ ودخلنا فى عصر الرئيس المواطن.

حين يذهب شخص معاق لكى يرشح نفسه رئيسا للجمهورية، أو يفعلها شاب طموح، أو فلاح يرى فى نفسه ممثلا لأغلبية الشعب المصرى، فإن ذلك يستحق الاحترام والاكبار، سواء للبيئة التى شجعت أمثال هؤلاء على الإقدام على تلك الخطوة، أو للأشخاص الذين واتتهم الجرأة لكى يتقدموا الصفوف ملتمسين ثقة الشعب وتأييده، ومدركين أن الذين حكموا البلاد أناس وهم بدورهم أناس ليسوا أقل منهم.

أدرى أن حكم بلد بحجم وعمق مصر ليس أمرا هينا. وان إدارة البلد وسط الأنواء والتحديات التى تحيط بها تتطلب رجالا من أولى العزم. لهم حكمة النبى سليمان وقوة موسى وصبر أيوب. لكن ذلك خطاب النخب ومدار حواراتهم، إلا أن ما يهمنا فى المشهد الراهن هو الروح الجديدة التى سرت فى المجتمع المصرى بعد الثورة، والتى افرزت إنسانا جديدا مملوءا بالحيوية والأمل، تماما كطائر الفينيق الاسطورى الذى ينتفض حيا من وسط الرماد.

صحيح أن الصورة ليست وردية تماما. فثمة أخطاء جسيمة وقعت بل وفضائح حصلت خلال العام الأول للثورة لكن ذلك لا ينفى أن ما قلته بدوره صحيح. إذ من الانصاف أن ترى الصورة بوجهيها الإيجابى والسلبى واعترف بأن الذى تغير فى أعماق الناس شجاعة وجرأة وإقداما أكثر وأفضل مما تغير فى واقعهم. بمعنى أن التغير فى الإنسان أفضل مما تغير فى المجتمع. فى هذا الصدد أدهشنى ما قرأته هذا الأسبوع فى إحدى الصحف العربية اللندنية من أن الثورة لم تحدث فى مصر، ولم أجد تفسيرا حسن النية لهذا الاجحاف سوى أن ذلك حكم من لم ير أو لا يريد أن يرى المتغيرات التى حدثت فى مواقف وسلوك الإنسان المصرى، ومنها ذلك التحول الكبير من مخاصمة السياسة والعزوف عنها إلى الانخراط فيها والاستغراق فى تفاصيلها. تشهد بذلك الحشود التى شاركت فى الانتخابات والطوابير الطويلة التى وقفت أمام مقر توزيع استمارات الترشح للرئاسة، وسيل التعليقات على كل ما يجرى فى البلد المنهمرة على موقع تويتر وفيس بوك وشبكة التواصل الاجتماعى. وهى قرائن تدل على أن ثمة حرصا جماهيريا قويا على اشباع الحس السياسى يعوض المجاعة السياسية التى عانى منها الشعب فى الماضى.

لقد سبق أن ذكرت أنه فى أعقاب الحرب العالمية الثانية التى دمرت فيها اليابان جراء القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكى، تشكل هناك 400 حزب سياسى، وكان ذلك تعبيرا عن اندفاع الناس نحو المشاركة فى إعادة بناء الدولة (فى اليابان الآن 12 حزبا على رأسها حزبان كبيران). وحين تسابق الناشطون فى مصر بعد الثورة على تشكيل الأحزاب والائتلافات، ثم حدث ذلك الإقبال على الترشح لرئاسة الجمهورية، فإن ذلك كان سعيا تلقائيا صامتا ــ أو صاخبا ــ لإثبات الحضور بعد طول حجب وتغييب. ولست أشك فى أن المشهد سيكون أكثر نضوجا ورشدا مع استمرار التجربة، خصوصا إذا اتسع نطاق المشاركة الشعبية بإجراء انتخابات البلديات والنقابات العمالية والمهنية، الأمر الذى يتيح الفرصة لبروز الشخصيات العامة التى تشغل المناصب القيادية.

أفهم أن يقال إن الثورة لم تكتمل أو أن روحها أتت بمن لا يشتهى البعض أو يحبون، ولكن حين يقال ان الثورة لم تحدث أصلا فى مصر، فذلك لا يختلف كثيرا عن انكار وجود الشمس أو القمر، الأمر الذى لا يرد عليه بالحجة والبرهان، وإنما بإحالة القائل إلى طبيب مختص لعلاجه بما يستحق ــ طوبى لبلد يقتنع فيه كل مواطن بأنه يمكن أن يصبح رئيسا للجمهورية

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...